محمود محمود الغراب
20
الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر
الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية ، وقد ظهر حكم هذا في عدم علم الملائكة بمنزلته ، مع كون اللّه قد قال لهم إنّه خليفة ، فكيف بهم لو لم يقل لهم ذلك ؟ ! فلم يكن ذلك إلا لبطونه عن الملائكة ، وهم من العالم الأعلى العالم بما في الآخرة وبعض الأولى ، فإنهم لو علموا ما يكون في الأولى ما جهلوا رتبة آدم عليه السلام مع التعريف . ( ف ح 2 / 468 ) . السجود من الملائكة دائم للإنسان الكامل بعد ما تحققت رتبته : قال صلى اللّه عليه وسلم : « أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك ساجد للّه » فأخبر في قوله ساجد للّه ، لينبه على نظر كل ملك في السماء إلى الأرض ، لأن السجود التطأطؤ والانخفاض ، وقد عرفوا أن الأرض موضع الخليفة ، وأمروا بالسجود فطأطؤا عن أمر اللّه ، ناظرين إلى مكان هذا الخليفة ، حتى يكون السجود له ، لأن اللّه أمرهم بالسجود له ، ولم يزل حكم السجود فيهم لآدم وللكامل أبدا دائما ، فعند الملأ الأعلى ازدحام لرؤية الإنسان الكامل ، كما يزدحم الناس عند رؤية الملك إذا طلع عليهم ، فأطت السماء لازدحامهم . ( ف ح 3 / 152 ) . من عرف الإنسان الكامل عرف الحق : إن الإنسان الكامل بنفسه عرف الحق ، والإنسان الحيوان عرفه بعقله بعد ما استعمل آلة فكره ، فلا الملك عرف الإنسان الكامل باعتراضه أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها لأنه ما شاهده من جميع وجوهه ، ولا الإنسان الحيوان عرفه بعقله من جميع وجوهه ، فجهل الكل الإنسان الكامل فجهلوا الحق ، فما عرف الحق إلا الإنسان الكامل ، ولهذا وصفته الأنبياء بما شهدوه ، وأنزل عليهم بصفات المخلوقين لوجود الكمال الذي هو عليه الحق ، وما وصل إلى هذه المعرفة باللّه لا ملك ولا عقل إنسان حيواني ، فإن اللّه حجب الجميع عنه ، وما ظهر إلا للإنسان الكامل ، الذي هو ظله الممدود ، وعرشه المحدود ، وبيته المقصود ، والموصوف بكمال الوجود ، فلا أكمل منه ، لأنه لا أكمل من الحق تعالى ، فعلمه الإنسان الكامل من حيث عقله وشهوده ، فجمع بين العلم البصري الكشفي وبين العلم العقلي الفكري ،